زكي مبارك
71
عبقرية الشريف الرضي
الزهو على ذلك الشاعر ، ثم أتبعها بالبحث عن أسرار ذلك الاختيال . ولا أرى موجبا للإشارة إلى جميع المواطن التي زهي فيها بشعره ، فقد حدثتكم أنها تزيد على الستين ، وإنما أطوف ببعض الاشعار التي تكشف عن تلك الخصلة بوضوح وجلاء . وأول ما أشير إليه هو إحساسه بأن الشعر دون قدره ، وأن نفسه أعلا من أنفس الشعراء وأرفع ، وهو يحدثنا أنه يتخذ الشعر وسيلة إلى غرضه فيقول : وما قولي الاشعار إلا ذريعة * إلى أمل قد آن قود جنيبه ( 1 ) واني إذا ما بلَّغ اللَّه غاية * ضمنت له هجر القريض وحوبه ( 2 ) ويرى سيماه غير سيماء الشعراء فيقول : وما الشعر فخري ولكنما * أطول به همة الفاخر أنزهه عن لقاء الرجال * وأجعله تحفة الزائر فما يتهدّى إليه الملوك * إلا من المثل السائر وإني وإن كنت من أهله * لتنكرني حرفة الشاعر ويرى القول دون الفعل فيقول : مالك ترضى أن يقال شاعر * بعدا لها من عدد الفضائل ( 3 ) كفاك ما أورق من أغصانه * وطال من أعلامه الأطاول فكم تكون ناظما وقائلا * وأنت غبّ القول غير فاعل ( 4 )
--> ( 1 ) الجنيب والمجنوب : الفرس تقوده إلى جنب فرسك في السباق . فإذا افتر المركب تحولت إلى المجنوب . والذريعة : الوسيلة . ( 2 ) الحوب بالفتح ويضم : الإثم ، وهو هنا مضموم الحاء . وهو مجرور بالعطف على القريض ( 3 ) العدد جمع عدة بضم العين وهو ما تتوسل به إلى غرضك . ( 4 ) الغب بالكسر عاقبة الشيء .